يحيى بن معاذ الرازي
138
جواهر التصوف
[ الأعراف : 31 ] ، ومن الحديث الصحيح قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما ملأ آدمىّ وعاء شرّا من بطنه ، بحسب ابن آدم أكلات ، ( وفي رواية : لقيمات ) يقمن صلبه ( أي يحفظن حياته ) ، فإن كان لا محالة فاعلا ( أي فإن كان متجاوزا عما ذكر ) فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » . * وإجاعة البطن علاج لكسر شهوات النفس ، وترويضها للوقوف عند حدود اللّه ؛ من امتثال في فعل الطاعات ، واجتناب المنهيات ؛ فإن النفس إذا أسرفت في تناول الحلال تاقت من لؤمها إلى الحرام ، ولعل هذا يفسّر ما نراه في مجتمعات الرفاهية من انحلال وشذوذ . وقد أحسن الشاعر في إيراد هذا المعنى فقال : إذا المرء أعطى نفسه كلّ ما اشتهت * ولم ينهها تاقت إلى كلّ باطل وساقت إليه الإثم والعار بالّذى * دعته إليه من حلاوة عاجل * والطريق إلى الطّعمة المثلى يبدأ بالصّيام ، ثم يتدرج شيئا فشيئا إلى قلة الطعام المسنون في الحديث الصحيح : « يقمن صلبه » . أي جوع لا يؤدّى إلى تلف ، وشبع لا يصل إلى حدّ البطنة ، ويقول البوصيري في ذلك : واخش الدّسائس من جوع ومن شبع * فربّ مخمصة شرّ من التّخم وقال الإمام أحمد رحمه اللّه : « أكره التقلّل من الطعام ؛ فإن أقواما فعلوه فعجزوا عن الفرائض . والمشاهد من كثر أكله ، كثر لذلك شربه ، ومن ثمّ زادت ساعات نومه ، واعتراه الوهن ، وكسل عن القيام بالطاعات . والاعتدال في تناول الطعام له فوائد كثيرة ؛ منها : نشاط البدن ، وصفاء العقل ، ومساعدة المعوذين ، وتجنّب شراهة النفس ، وانحسار الرغبة في المعاصي ، وتيسّر العبادة وتوفّر الوقت لها ، فمن قلّت مؤنته قلّ انشغاله بتحصيل الرّزق . ثالثا الخلوة : الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ؛ فهو لا يحتمل العيش بمعزل عن الناس ؛ وقسر النفس على العزلة هي ثالثة الوسائل في تزكية النفس وكبح جماحها حتى تسلم قيادها وتنتهج سنن الشريعة الغراء ، وبعد ، يعود صاحب العزلة إلى الناس بعد أن ازدادت صلته بربه وأصبح وقد صارت خلوته في قلبه ، وقد عبّرت عن ذلك رابعة العدوية رحمها اللّه في مناجاتها : إنّى جعلتك في الفؤاد محدّثى * وأبحت جسمي من أراد جلوسى فالجسم منّى للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد جليسى « 1 »
--> ( 1 ) قال الحافظ الذهبي رحمه اللّه في كتابه سير أعلام النبلاء 8 / 216 معلقا على البيت الأول : « فنسبها بعضهم إلى الحلول بنصف البيت الأول ، وإلى الإباحة بتمامه » . قلت : ( الكلام للحافظ الذهبي ) « فهذا غلو وجهل ، ولعل من نسبها إلى ذلك مباحى حلولى ، ليحتج بها على كفره ، كاحتجاجهم بخبر « كنت سمعه الذي يسمع به » . انتهى . وهي جزء من حديث موجود بتمامه في شرح العبارة رقم ( 49 ) .